فى مناسبة رحيل الفارس القديم مصطفى محرم

فى مناسبة رحيل الفارس القديم مصطفى محرم


12, Feb 2018

حالت نزلة برد قاسية، اعتدت عليها كل بضعة أيام، بينى وبين وداع الصديق العزيز جداً الكاتب الكبير صلاح عيسى إلى مثواه الأخير، الذى لم تمنحه الدولة أى جائزة من جوائزها وأعطتها من هم دونه بكثير، وقد وقع خبر الوفاة كالصاعقة على نفسى، حتى إننى لم أصدق فى البداية، هناك أصدقاء لى رحلوا وكنت لا أصدق أن الموت سوف يقربهم، من بينهم العزيز صلاح عيسى، لم أصدق خبر الوفاة إلا بعد أن قرأت رثاء الزميل نيوتن برصانته المعتادة التى أحسده عليها فى أسلوبه، وقرأت ما كتبه الزميل حمدى رزق فى عموده هو الآخر بأسلوب مؤثر حتى انهمرت دموعى.

عرفت صلاح عيسى منذ أكثر من أربعين عاماً لا أذكر.. قبل دخوله السجن أم بعد خروجه منه، انضم إلينا فى فترة السبعينيات لمجموعة من شباب السينما المتحمسين لتقديم سينما جديدة فى موضوعاتها وتقنيتها تحت اسم «الغاضبين» نقديا، ثم تحت اسم «جماعة السينما الجديدة» سينمائيا وكان ييرأسها الصديق العزيز المخرج محمد راضى، الذى رحل عنا منذ أقل من شهرين بنفس الإصابة، وهى جلطة الرئة، رغم أنه لم يكن يدخن مثل صلاح عيسى، وقام محمد راضى بتقسيم أفراد الجماعة إلى مخرج وسيناريست، بحيث يختار كل اثنين موضوعا يوافق عليه مجلس إدارة الجماعة، وكان نصيبى هو المخرج المبدع على عبدالخالق ومسرحية «أغنية على الممر» لعلى سالم وكانت المخرجة نبيهة لطفى من نصيب صلاح عيسى، الذى قام بإعداد دراسة لقصيدة أحلام الفارس القديم للشاعر صلاح عبدالصبور، ولكن الجماعة فى النهاية لم تفلح سوى فى إنتاج فيلمين فقط هما «أغنية على الممر» وفيلم «الظلال على الجانب الآخر» سيناريو وإخراج الفلسطينى غالب شعث، تفرقت الجماعة بعد ذلك، وذهب كل واحد إلى حال سبيله، فبدأت أكتب إلى جانب الأفلام لبعض المقالات السياسية القصيرة جداً فى جريدة الوفد فى عز أمجادها، وفى بعض الجرائد الأخرى التى لم أعد أتذكر أسماءها، ثم انبعثت فى داخلى حمية ورغبة شديدة فى الكتابة عن السينما، مهنتى التى اعتبرت أننى قد خلقت من أجلها.
ظهرت فى بداية القرن الجديد جريدة أصدرها وزير الثقافة فاروق حسنى تحت اسم «القاهرة»، ولست أعرف السبب فى علاقة فاروق حسنى بصلاح عيسى وإسناد رئاسة التحرير إليه، إلا إذا كان يريد أن يسير سير ثروت عكاشة عندما عمل مع الشيوعيين مثل حسن فؤاد، كان غرض وزير الثقافة أن الجريدة التى تمثل وزارته مثل المجلة فتجاوزت صفحاتها العشرين صفحة وشملت موضوعات مختلفة ورغم أنها تصدر عن وزارة الثقافة لم تتجاهل السياسة.
وفى أحد اللقاءات مع الوزير فاروق حسنى أنا وبعض أعضاء مجلس إدارة مهرجان الإسكندرية السينمائى تطرق الكلام عن جريدة «القاهرة» وهجوم البعض عليها، وأن هدفه أن تكون الجريدة مثل المجلة يقرأها المرء طوال الأسبوع. وبالطبع سألنى عن رأيى فى الجريدة فأخبرته أننى لم أقرأ سوى عدد واحد فشممت رائحة شيوعية فى موضوعاتها فإذا به يفاجأ برأيى ويطلب على الفور كل الأعداد التى صدرت ليعطيها لى فطلب منه صديقه المقرب الدكتور عادل حسنى أن يعتنى بما قلته له فعادل حسنى مثلى يكره الشيوعية، وأخبرت فاورق حسنى بأننى أعرف جيداً أسلوب الشيوعيين وأهدافهم فهم يميلون إلى الهدم والتشكيك فى أى تراث فكرى يتناقض مع أهدافهم وقد بدأ هذا الأسلوب فى الخمسينيات كل من محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس حتى اشتبك معهما فى معارك فكرية طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعى وكان كاتبهم المفضل هو عبدالرحمن الشرقاوى، وانتقدوا سلبية نجيب محفوظ ولكن الغريب أننى عند ما سألت عبدالرحمن الشرقاوى بعد ذلك هل ينتمى إليهم كان يتبرأ من الانتساب إليهم رغم أننى أعلم أنه سجن بهذه التهمة فكتب بعد ذلك كتبه الدينية الإسلامية العظيمة.
قررت أن أكتب فى جريدة «القاهرة»، خاصة بعد إلحاح صديقى أيمن الحكيم سكرتير تحرير الجريدة وبعد كتابتى فى ثلاثة أعداد قررت أن أزور صديقى الفارس القديم رئيس التحرير، وعندما دخلت مكتبه وتعانقنا صاح مستنكراً «أخيراً عرفت أن للجريدة دى رئيس تحرير اسمه صلاح عيسى؟» فضحكت وأخبرته أننى خشيت أن أسبب له حرجاً إذا كانت كتابتى لا تشرفه كما أننى لم أتعود على المساعدة من أصدقائى فإذا به يضحك ويسألنى بأسلوبه المعتاد: «وأخبارك إيه بقى يا جميل حانشر لك إيه السنة دى؟».
اعتدت بعد ذلك أن أزور صلاح تقريباً كل أسبوع لأسلمه ما كتبت وإذا منعتنى الظروف عن الكتابة كان يتصل بى ويسألنى عن السبب وذلك ليطمئن على، إلى أن أصدر رائعته «رجال ريا وسكينة» وأهدانى نسخة، بعد أن قرأتها سألته كم يريد أجراً لها عند تحويلها إلى مسلسل تليفزيونى فأخبرنى برقم ضخم فسألته «مش كتير ده يا أبو صلاح؟» وقبل أن يدافع عن حقه فى هذا الرقم قاطعته وأخبرته بأننى سوف أجلب له ما يريد.
وظهر مسلسل «رجال ريا وسكينة» فحقق نجاحاً كاسحاً.
وجرى نفس الأمر عندما أصدر كتابه «البرنسيسة والأفندى» ولكن للأسف لم تظهر كمسلسل، فقد قام منتج آخر بشراء كتاب فى نفس الموضوع من إحدى الكاتبات وبالطبع بسعر أقل بكثير مما دفع فى «البرنسيسة والأفندى» فقتل مشروعنا خاصة أنه اختار نجمة الجماهير لتكون هى البطلة، أذكر أننى بعد وفاة النجم أحمد زكى كتبت مجموعة من المقالات عنه لا أعرف لماذا أثارت كل من هب ودب حتى إن البعض لجأ شاكياً إلى وزير الثقافة – تحدث فاروق حسنى فى هذا الأمر مع صلاح عيسى فأخبره أنه إذا كان عند المعترضين شىء ضد ما يكتبه مصطفى محرم فهو على استعداد أن يقوم بنشره فى جريدته ولم يكتب أحد شيئاً وكان تاريخى الفنى يحمينى.
أتى الدكتور جابر عصفور عندما أصبح وزيراً بشاب يدعى سيد محمود رئيسا لتحرير جريدة «القاهرة» وجعل صلاح رئيساً لمجلس الإدارة فقام هذا الشاب الأرعن بالاستيلاء على حجرة مكتب صلاح وقام بما يشبه المذبحة فى التخلص ممن يعملون مع صلاح وممن يكتبون فى الجريدة واعترض على أننى أستولى على صفحة كل أسبوع وقرر أن أكتب فى الشهر مرة، وبالطبع رفضت أن أتعامل مع هذا المغرور، وبدأت الجريدة فى التدهور حتى وصل توزيعها إلى 200 نسخة وربما أقل إلى أن أطاح بهذا الشاب نفس الذى أتى به فقد اختلف مع الدكتور جابر عصفور على موضوع خاص بقصة لم تنشر لطه حسين.
كنت على موعد معه يتعلق بعودتى للكتابة فى الجريدة ولكن الظروف حالت بينى وبين هذا الميعاد واعتذرت له فى الموبايل ووعدته بأننى سوف أزوره عما قريب ولكن القدر كان هو الأقرب.
ذهبت للغداء، كانت زوجته التى أحبها كثيراً واقفة فى مدخل المسجد تتلقى عزاءه والكاتبة الكبيرة أمينة النقاش وإلى جوارها شقيقتها الكاتبة فريدة النقاش وباقى أفراد العائلة.
عندما دلفت داخل المسجد فإذا به يغص بالكثير من المعزين من كل الفئات وكل الاتجاهات، وكل الأحزاب، وقد وقف أغلبهم يتعانقون ويثرثرون ويضحكون حتى إنهم لم يبالوا عندما بدأ المقرئ التلاوة فاضطر الرجل إلى أن يتوقف ويصيح فيهم فى أدب قائلاً ومذكراً: «يا جماعة إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا» اضطر المقرئ أن يذكرهم ثلاث مرات إلى أن عادوا إلى أماكنهم وهم يدخنون ويتهامسون فاستغربت أن يكون هذا هو سلوك من يسمونهم النخبة. وفى نفس الوقت كان مصورو الصحف يقومون بالتقاط الصور للبارزين من الموجودين وتركزت لقطاتهم على أحد الأشخاص الذى يجلس بثقة واعتداد، فسألت من يجلس بجوارى عنه فأخبرنى بأنه خالد على المرشح لانتخابات الرئاسة. تذكرت على الفور حمدين صباحى الذى كنت أراه فى كل عزاء أو مناسبة عندما كان مرشحاً لانتخابات الرئاسة وتذكرت فى نفس الوقت عادل إمام فى فيلمى «حتى لا يطير الدخان» حيث كان يفعل مثلهما عندما كان مرشحاً لمجلس الشعب.

 



موضوعات مشابهه