عودة لأيام القشف أحمد الجمال

عودة لأيام القشف أحمد الجمال


12, Feb 2018

خضوعًا لمطالب كثيرين من قليلين يتابعون ما يكتبه العبد لله، أعود لضفيرة ذكريات الطفولة والصبا والشباب المبكر، خاصة وقد وجدت نفسى كأن بعض ما جرى قديمًا- يعنى من ستين أو خمس وستين سنة- عاد ينقح على ذهنى وبدنى.. ونقح فى الفصحى لها معانٍ عديدة منها: «نقحته السنون: نالت منه، ونقح العود: قشره، ونقح الجذع: شذبه وأزال عقده».

إذ لاحظت بعض القشف على ظاهر يدى، والقشف فى الفصحى أيضًا هو: «وسخ وخشونة تصيب الجلد فى الشتاء غالبًا»، وبسرعة أحضرت بعض الجلسرين ومراهم أخرى، غير أننى سرحت فى تلك الأيام التى كان فيها القشف سمة غالبة ملازمة لجلود غالبية الناس فى الريف المصرى، وكان يستفحل عند البعض لدرجة إدماء جلد ظاهر الكف ومن حول الشفتين، فإذا أضفنا ما كان منتشرًا أيضًا من إصابات «القوب»، وهى بقع خشنة بيضاء شاحبة كانت تتوزع على جلد الوجه، عرفنا أنها لم تكن أيامًا جميلة فى وجه من وجوهها! وكانت المياه المستخدمة فى معظمها عسرة لا يذوب فيها الصابون بسهولة.. وإن ذاب فقد كانت نسبة الصودا الكاوية فيه مرتفعة، ولأن المصدر الذى كانوا يأخذون منه المياه- فى فترة السدة الشتوية، عندما تكاد الترع والقنوات تكون جافة، بل كان فرع رشيد تنحسر مياهه حتى يظهر القاع- هو الطلمبات التى يسمونها «طرمبة حبشية»، وكان الصابون الأكثر شيوعًا هو صابون الشمس المصنوع لغسل الملابس، فلكم أن تتخيلوا حجم العذاب بعد أن تتسرب الرغوة إلى العيون والماء لا يسعف فترتفع الأكف لدعك العيون، التى بدأت فى الحرقان المتصاعد لدرجة البكاء، ولا بديل لوقف الاحتجاج عن قرصة أذن، أو زغدة فى الجنب أو صفعة قوية على مؤخرة الرأس والقفا.. وفى كثير من الأحيان كان الخروج للشارع برأس ويدين مبللتين يلطشهم الهواء العنيف البارد، فيكون القشف الدامى هو النتيجة!
تذكرت فيما أنا سارح فى الذى كان، عندما تسببنا- إبراهيم ابن عمى وأنا- وكنا زميلين فى المرقد وفى دكة المدرسة، رغم أنه (رحمة الله عليه) كان يكبرنى بأربع سنوات- فى كسر ماكينة الحلاقة اليدوية التى كان يمسك بها الحلاق ليحلق بها رؤوسنا، بعد أن يضبط مشطها على درجة نمرة اتنين، لأن الحلاق عادة ما يبدأ من أطراف جلد الرأس فوق القفا والأذنين، ليصعد تدريجيًا باتجاه منتصف الرأس أو «الكموخة»، الذى يتوسطه «بريمة» شعر الرأس، وهى نقطة قلبها يظهر منه الجلد الفاتح وينبت الشعر دائريًا وكأنه دوامة ملفوفة، وفجأة تعثرت أسنان الماكينة ثم طقطقت وطار منها سن أو سنان، لأنها اصطدمت بكتلة صلبة فى كموخة رأسنا، هى بقايا صابون شمس وأملاح مياه الطلمبة، التى ظلت تتراكم، لأن التعليمات المستديمة هى أن نتوضأ كل يوم من الطلمبة التى فى الحوش الخارجى، بعد أن نغسل رؤوسنا بالصابون، وكل واحد «يطمبر» للثانى.. ولأن يد الطلمبة كانت حديدية طويلة وثقيلة والدنيا سقعة والصابون ابن ستين فى سبعين يكوى المقلتين، فكنا دومًا «نتصلق» العملية يعنى الصابون فى وسط دماغنا، حتى لا يتسلل لعيوننا، و«الطمبرة»، أى تحريك يد الطلمبة للأعلى والأسفل لنزول الماء تكون مرتين أو ثلاثًا وبسرعة، لأن اليد ثقيلة واليدين الفضيتين لا تتحملان البرد والقشف.
وتذكرت فى سرحان الكهولة كيف كان افتراء الشباب المبكر، إذ كان خالى حمدى الذى كان يسكن صدره قلب أسد.. لا يعرف الخوف ولا التردد، يصحو عند الفجر للصلاة، وبعدها جولة فى عز زمهرير الشتاء لتفقد الغيط، وعند ترعة صغيرة تحمل اسم «العداية»، جف ماؤها جراء السدة الشتوية اللهم إلا حفر ضئيلة «مقاميق»، فيها بقايا مياه تكاد تتجمد من شدة البرد، ضبط أحدهم ممن تجرأ وخرج بحماره ليسرق ردمًا جافًا يردم به زريبة بهائمه، وعند أهلنا الفلاحين يجوز إدارة الظهر لما أشيع حول تدين المصريين بالفطرة، فيحل سرقة الردم والوقيد أى أعواد الحطب والذرة الجافة لزوم وقود الطهو، وسرقة الذرة فى موسم شى الذرة، وكذلك البامية فى الصيف، ولو ضبط السارق فإن العذر المعلن «خبر إيه أمال.. دى أرضنا.. ودى باميتنا.. ودا ذرانا»، يعنى نحن نعتبر أن مالكم هو مالنا وأنتم كرماء ونحن نستحق!!.. المهم استوقف الخال سارق الردم ولم يسأله عن الردم، بل سأله مباشرة: «صليت الفجر؟!»، وجاء الرد: «لا والله.. أصل أنا جنب»، يعنى صاحبنا مستحيل يصلى إلا بعد أن يتطهر.. فما كان من قلب الأسد إلا أن قال له: «خلاص اقلع واستحم»، فلما تردد ذو الجنابة كانت أول صفعة باليد واللسان: «طالع من داركم جنب نجس.. وبتسرق»، وأمام سطوة الخال خلعت الهدوم وبدأ صاحبنا ينحنى ويحاول ملء حفانه بالماء الزمهريرى ليسكبه على جسده العارى المرتعش، وقلب الأسد يأمره بأن يعيد سكب الماء على رأسه، لأنه شرعًا لابد من وصول الماء لمنابت شعر رأس صاحب الجنابة!



موضوعات مشابهه